ابن كثير
66
البداية والنهاية
رسل الحجاج إليه ، فلما كانوا ببعض الطريق بمكان يقال له الرجح ، صعد ابن الأشعث وهو مقيد بالحديد إلى سطح قصر ومعه رجل موكل به لئلا يفر ، وألقى نفسه من ذلك القصر وسقط معه الموكل به فماتا جميعا ( 1 ) ، فعمد الرسول إلى رأس ابن الأشعث فاحتزه ، وقتل من معه من أصحاب ابن الأشعث وبعث برؤوسهم إلى الحجاج فأمر فطيف برأسه في العراق ، ثم بعثه إلى عبد الملك فطيف برأسه في الشام ، ثم بعث به إلى أخيه عبد العزيز بمصر فطيف برأسه هنالك ، ثم دفنوا رأسه بمصر ( 2 ) وجثته بالرجح ، وقد قال بعض الشعراء في ذلك : - هيهات موضع جثة من رأسها * رأس بمصر وجثة بالرجح ( 3 ) وإنما ذكر ابن جرير مقتل ابن الأشعث في سنة خمس وثمانين فالله أعلم . وعبد الرحمن هذا هو أبو محمد بن الأشعث بن قيس ، ومنهم من يقول عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الكوفي ، قد روى له أبو داود والنسائي عن أبيه عن جده عن ابن مسعود : حديث " إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما قال البائع أو تشاركا " . وعنه أبو العميس ويقال إن الحجاج قتله بعد التسعين سنة فالله أعلم . والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالامارة وليس من قريش ، وإنما هو كندي من اليمن ، وقد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الامارة لا تكون إلا في قريش ، واحتج عليهم الصديق بالحديث في ذلك ، حتى إن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين فأبى الصديق عليهم ذلك ، ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة الذي دعا إلى ذلك أولا ثم رجع عنه ، كما قررنا ذلك فيما تقدم . فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالامارة على المسلمين من سنين فيعزلونه وهو من صلبية قريش ويبايعون لرجل كندي بيعة لم يتفق عليها أهل الحل والعقد ؟ ولهذا لما كانت هذه زلة وفلتة نشأ بسببها شر كبير هلك فيه خلق كثير فإنا لله وإنا إليه راجعون .
--> ( 1 ) في الطبري 8 / 40 : فألقى نفسه من فوق إجار فمات . وفي ابن الأثير 4 / 502 : فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح قصره فمات . وفي ابن الأعثم 7 / 157 : وابن الأشعث يومئذ عليل . . . فلم يصل إلى عمارة بن تميم حتى مات في بعض الطريق . ( 2 ) في ابن الأعثم 7 / 158 : ثم أمر برؤوسهم فطيف بها في أجناد أهل الشام وأهل مصر ثم بعث بها بعد ذلك إلى بئر برهوت - برهرت حضر موت فألقيت هناك . وفي معجم البلدان : برهوت بئر بحضر موت . . . وقال محمد بن أحمد : وبقرب حضر موت وادي برهوت وهو الذي قال فيه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ان فيه أرواح الكفار والمنافقين . ( 3 ) في ابن الأثير 4 / 502 الرخج ، وفي الطبري 8 / 41 : الرحج . وفي معجم البلدان : رخج بتشديد ثانيه : كورة ومدينة من نواحي كابل .